ابن رشد
164
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
موضع آخر غير الموضع الذي هي فيه ، أو بقدر غير هذا القدر ، لما أمكن أن نوجد « 81 » فيها ولا أن نخلق « 82 » عليها . [ 199 ] وهذا كله محصور في قوله تعالى : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً » . وذلك أن المهاد يجمع الموافقة في الشكل والسكون والوضع ، وزائدا إلى هذا معنى الوثارة واللين . فما أعجب هذا الإعجاز ! وأفضل هذه الاستعارة « 83 » ! وأغرب هذا الجمع ! وذلك أنه قد جمع في لفظ " مهاد " جميع ما في الأرض من « 84 » موافقتها لكون الإنسان عليها . وذلك شيء قد تبين على التمام للعلماء ( - علماء الطبيعة ) في ترتيب من الكلام طويل ، وقدر من الزمان غير يسير « 85 » ، واللّه يختص برحمته من يشاء . [ 200 ] وأما قوله تعالى « وَالْجِبالَ أَوْتاداً » : فإنه نبّه بذلك على المنفعة الموجودة في سكون الأرض ، من قبل الجبال . فإنه لو قدرت الأرض أصغر مما هي : كأنك قلت دون الجبال لتزعزعت من حركات باقي الأسطقسات : أعني الماء والهواء ولتزلزلت وخرجت عن « 86 » موضعها . ولو كان ذلك كذلك لهلك الحيوان ضرورة . فإذن : موافقة سكونها لما عليها من الموجودات لم تعرض بالاتفاق ، وإنما عرضت عن قصد قاصد ، وإرادة مريد . فهي ، ضرورة ، مصنوعة لذلك القاصد سبحانه ، وموجودة له على الصفة التي قدرها لوجود ما عليها من الموجودات . [ 201 ] ثم نبه أيضا على موافقة وجود الليل والنهار للحيوان ، فقال تعالى ، « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا « 87 » النَّهارَ مَعاشاً » ، يريد أن الليل جعله كالسترة واللباس ، للموجودات التي هاهنا ، من حرارة الشمس ، وذلك أنه لولا ( 51 / ظ ) غيبة الشمس بالليل لهلكت الموجودات التي جعل اللّه حياتها بالشمس ، وهو الحيوان والنبات . فلما كان اللباس قد يقي من الحر مع أنه سترة ، وكان الليل يوجد فيه هذان المعنيان ، سماه اللّه تعالى لباسا . وهذا من أبدع الاستعارة . وفي الليل أيضا منفعة أخرى للحيوان ، وهو أن نومه يكون فيه مستغرقا لمكان ذهاب الضوء الذي يحرك الحواس إلى ظاهر البدن ، الذي هو اليقظة . ولذلك قال تعالى : « وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً » ، أي مستغرقا من قبل ظلمة الليل .
--> ( 81 ) . س : " توجد " ( 82 ) . س : " تخلق " ( 83 ) ت . مل 1 : " السعادة " ( 84 ) . ت : سقط " من " ( 85 ) قا : " قصير " ( 86 ) ت ، مل 1 : " من " ( 87 ) . ت ، مل 1 : صحفت الآية ( 78 / 10 ) " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً " .